السيد علي الحسيني الميلاني
40
نفحات الأزهار
معنى الوجوب ترجيح جانب الفعل على الترك ، لدفع ضرر موهوم في الترك أو معلوم ، فإذا كان هذا هو الوجوب ، فالموجب هو المرجح وهو الله تعالى ، فإنه إذا ناط العقاب بترك النظر ترجح فعله على تركه ، ومعنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - إنه وجب : أنه مرجح بترجيح الله تعالى في ربطه العقاب بأحدهما . وأما المدرك فهو عبارة عن جهة معرفة الوجوب لا عن نفس الوجوب ، وليس شرط الواجب أن يكون وجوبه معلوما ، بل أن يكون عمله ممكنا لمن أراده ، فيقول النبي : إن الكفر سم مهلك فالإيمان شفاء مسعد ، فأن جعل الله تعالى أحدهما مسعدا والآخر مهلكا ، ولست أوجب عليك شيئا ، فإن الإيجاب هو الترجيح والمرجح هو الله تعالى ، وإنما أنا مخبر عن كونه سما ومرشد لك إلى طريق تعرف به وهو النظر في المعجزة ، فإن سلكت الطريق عرفت ونجوت ، وإن تركت هلكت . مثاله مثال طبيب إنتهى إلى مريض وهو يتردد بين دوائين فقال : أما هذا فلا تناوله ، فإنه مهلك للحيوان وأنت قادر على معرفته بأن تطعمه هذا السنور فيموت على الفور ، فيظهر لك ما قلت . وأما هذا ففيه شفاؤك وأنت قادر على معرفته بالتجربة ، وهو أن تشرب فتشفى ، ولا فرق في حقي ولا في حق استادي بين أن تهلك أو تشفى ، فإن استادي غني عن بقائك وأنا أيضا كذلك . فعند هذا لو قال المريض : هذا يجب علي بالعقل أو بقولك ، وما لم يظهر لي هذا لم أشتغل بالتجربة ، كان مهلكا نفسه ولم يكن عليه ضرر . فكذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أخبره عن الله تعالى بأن الطاعة شفاء والمعصية داء ، وأن الإيمان مسعد والكفر مهلك ، وأخبر أنه غني عن العالمين ، سعدوا أم شقوا ، وإنما شأن الرسول أن يبلغ ويرشد إلى طريق المعرفة ، فمن نظر فلنفسه ومن قصر فعليها ، وهذا واضح .